فخر الدين الرازي
202
تفسير الرازي
تعالى : * ( الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس ) * ( الحج : 75 ) . المسألة الثانية : قال بعضهم : ظاهر الآية يدل على أن داود حين قتل جالوت آتاه الله الملك والنبوة ، وذلك لأنه تعالى ذكر إيتاء الملك والنبوة عقيب ذكره لقتل داود جالوت ، وترتيب الحكم على الوصف المناسب مشعر بكون ذلك الوصف علة لذلك الحكم ، وبيان المناسبة أنه عليه السلام لما قتل مثل ذلك الخصم العظيم بالمقلاع والحجر ، كان ذلك معجزاً ، لا سيما وقد تعلقت الأحجار معه وقالت : خذنا فإنك تقتل جالوت بنا ، فظهور المعجز يدل على النبوة ، وأما الملك فلأن القوم لما شاهدوا منه قهر ذلك العدو العظيم المهيب بذلك العمل القليل ، فلا شك أن النفوس تميل إليه وذلك يقتضي حصول الملك له ظاهراً ، وقال الأكثرون : إن حصول الملك والنبوة له تأخر عن ذلك الوقت بسبع سنين على ما قاله الضحاك ، قالوا والروايات وردت بذلك ، قالوا : لأن الله تعالى كان قد عين طالوت للملك فيبعد أن يعزله عن الملك حال حياته ، والمشهور في أحوال بني إسرائيل كان نبي ذلك الزمان أشمويل ، وملك ذلك الزمان طالوت ، فلما توفي أشمويل أعطى الله تعالى النبوة لداود ، ولما مات طالوت أعطى الله تعالى الملك لداود ، فاجتمع الملك والنبوة فيه . المسألة الثالثة : * ( الحكمة ) * هي وضع الأمور مواضعها على الصواب والصلاح ، وكمال هذا المعنى إنما يحصل بالنبوة ، فلا يبعد أن يكون المراد بالحكمة ههنا النبوة ، قال تعالى : * ( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً ) * ( النساء : 54 ) وقال فيما بعث به نبيه عليه السلام * ( ويعلمهم الكتاب والحكمة ) * ( آل عمران : 146 ) . فإن قيل : فإذا كان المراد من الحكمة النبوة ، فلم قدم الملك على الحكمة ؟ مع أن الملك أدون حالاً من النبوة . قلنا : لأن الله تعالى بين في هذه الآية كيفية ترقي داود عليه السلام إلى المراتب العالية ، وإذا تكلم المتكلم في كيفية الترقي ، فكل ما كان أكثر تأخراً في الذكر كان أعلى حالاً وأعظم رتبة . أما قوله تعالى : * ( وعلمه مما يشاء ) * ففيه وجوه أحدها : أن المراد به ما ذكره في قوله : * ( وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم ) * ( الأنبياء : 80 ) وقال : * ( وألنا له الحديد * أن اعمل سابغات وقدر في السرد ) * ( سبأ : 10 ، 11 ) وثانيها : أن المراد كلام الطير والنمل ، قال تعالى حكاية عنه : * ( علمنا منطق الطير ) * ( النمل : 16 ) وثالثها : أن المراد به ما يتعلق بمصالح الدنيا وضبط الملك ، فإنه ما ورث الملك من آبائه ، لأنهم ما كانوا ملوكاً بل كانوا رعاة ورابعها : علم الدين ، قال تعالى : * ( وآتينا داود زبوراً ) * ( النساء : 163 ) وذلك لأنه كان حاكماً بين الناس ، فلا